اخر الاخبارمقالات وقضاياهام

فن على الجلد… خطر في العمق: واقع “التاتو” في لبنان

مازن مجوز

يشهد قطاع الوشم (التاتو) في لبنان انتشارًا متزايدًا، خاصة بين فئة الشباب، باعتباره شكلًا من أشكال التعبير الفني والهوية الشخصية. ورغم غياب إطار قانوني واضح ينظم هذه المهنة، فإن العديد من الفنانين المحترفين يعملون في مشاغل مرخصة، بينما تنتشر ممارسات غير آمنة في أماكن غير خاضعة للرقابة. وتشكل هذه الفوضى تحديًا صحيًّا، خصوصًا في ظل استخدام أدوات غير معقمة أو حبر ذات تركيبة غير واضحة، قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة. ومن أبرز المخاطر المرتبطة بـ “التاتو” التهاب الجلد، أو تحسس دائم، أو حتى الإصابة بأمراض منقولة عبر الدم. وتزداد الخطورة عند نقش الوشم على أماكن حساسة في الجسم كالعينين، أو حول العمود الفقري، أو المناطق ذات الكثافة العصبية العالية، حيث قد تتسبب بخلل في الوظائف العصبية أو آلام مزمنة. كما أن غياب الرقابة الصحية وضعف التوعية المجتمعية يسهمان في تفاقم هذه التهديدات.

في هذا السياق، يشرح الدكتور نوفل جعفر طبيب أمراض جلدية وتجميل، أن “أبرز المخاطر الصحية تتمثل في احتمالية حدوث عدوى بكتيرية أو فيروسية ناتجة عن استخدام أدوات غير معقمة، ما قد ينقل أمراضًا خطيرة عبر الدم. كما قد يظهر تفاعل حساسي تجاه جزيئات الحبر نفسه، خاصة الألوان القوية، وهو ما يسبب تهيجًا مزمنًا للجلد في منطقة الوشم”.


ويتابع: “أما بالنسبة للمناطق الحساسة، فإن الوشم في أماكن معينة مثل الوجه أو الرقبة يزيد من فرص الالتهابات الحادة لقربها من الغدد والأعصاب، كما أن الوشم في منطقة أسفل الظهر قد يسبب تعقيدات طبية عند الحاجة لعمل تخدير نصفي (إبرة الظهر)، بينما تؤدي بعض أنواع الحبر التي تحتوي على معادن إلى آلام وحروق عند الخضوع لفحص التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)”.

بالإضافة إلى ذلك، “هناك خطر دائم يتمثل في تكون الندبات البارزة التي تغير ملمس الجلد بشكل نهائي، مع صعوبة كبيرة في إزالة الوشم لاحقًا إذا تغيّرت رغبة الشخص، حيث تترك الإزالة غالبًا آثارًا لا تختفي تمامًا”. ويشدد جعفر على أن “تحليل ظاهرة انتشار الوشم بين الشباب في لبنان يكشف مزيجًا من الرغبة في التعبير عن الهوية والتمرد على الواقع المأزوم، حيث يُستخدم الوشم أحيانًا كرسالة سياسية أو طائفية، تُعلن الولاء والانتماء لرموز وقضايا معينة في ظل مجتمع شديد الانقسام، بينما يستخدمه آخرون كأداة لكسر القيود التقليدية وإثبات التحرر الفردي من السلطة الأبوية أو المجتمعية”.

وبرأيه فإن الانفتاح الثقافي الكبير وتأثير مشاهير الفن والرياضة ساهم في تحويل الوشم من ممارسة كانت تُعتبر منبوذة أو مرتبطة بفئات معينة، إلى صيحة جمالية ورمز للحداثة، خاصة مع ظهور جيل من الفنانين المحترفين الذين دمجوا بين الخط العربي والفنون المعاصرة، مما جعل الوشم وسيلة لتخليد ذكريات شخصية أو تجارب عاطفية ووجودية على الجسد.

بدوره يرى ديفيد دير-يغيان (فنان وشم ورسام) أن موضوع السرطان حساس جدًا، وكذلك الحبر المستخدم. لماذا؟ “لأننا نعمل على جسم الزبون. والمواد التي نستخدمها تدخل داخل الجسم وتتفاعل معه، لذلك يجب أن تكون مصممة بطريقة لا تسبب أي مضاعفات”.

ويوضح أن “الشركة المفترض بالفنان شراء الحبر منها، يجب أن تصنع حبرها بمعايير ومواصفات قانونية وصحية، وهذه المعايير تضعها الدول التي ترخص هذه الشركات، والشركة التي أتعامل معها أستخدم حبرها منذ 15 سنة. وأكدت في موقعها الإلكتروني أن كل أجهزتها “أورغانيك”. وهي شركة ذات سمعة طيبة في مجال “التاتو”، وجزء كبير من النخبة يستخدمون أجهزتها وموادها.

ويؤكد دير-يغيان، “أننا نلتزم بكل الشروط الموضوعة في مجالنا، لأن صحة الناس ليست لعبة، ولا يمكن أن نُعرّض الناس للخطر باستخدام مواد غير مناسبة للتاتو”، لافتًا إلى “أننا كمحترفين يجب أن نعمل باحتراف دائمًا، وأن نضمن صحة وسلامة كل من يزورنا، الخدمة ليست فقط بالحبر، بل أيضًا بالإبر، بالماكينات، وبالهايجين (النظافة)”.

ويشير إلى أن كل “فنان محترف يجب أن تكون لديه خبرة ومعرفة في التعقيم، كيف يُنظف مكان العمل قبل وبعد كل خدمة، كيف يلف الأدوات ويتعامل مع النفايات (مثل الإبر بعد الاستخدام)، وكيف ينظف الأسطح. كل هذه التفاصيل يجب أن نتمرّن ونتقنها كي لا نعرض زبائننا للخطر. لأننا كمحترفين، أقسمنا على العمل كمحترفين”.

بالعودة إلى جعفر، يكشف أن “الواقع النفسي يلعب دورًا جوهريًا، إذ يجد الشاب اللبناني في الوشم طريقة لامتلاك قراره الشخصي وفرض سيطرته على جسده في ظل بيئة سياسية واقتصادية غير مستقرة تُشعره بالعجز، فيصبح الوشم بمثابة علامة دائمة وقوية تمنحه التميز والقدرة على مواجهة التحديات اليومية بهوية بصرية يختارها بنفسه”.

أما دير-يغيان، فيعزو ما يحصل مع بعض الشباب اللبناني من مضاعفات صحية إلى “وجود أنواع من الحبر في السوق اللبناني، لكنها غير صالحة كي تدخل جسم الإنسان، بل للرسم على الورق وللكثير من أنواع “الديزاين”، وهي تسبب مضاعفات في حال استخدامها من قبل فناني الوشم وهذه المضاعفات كثيرة ومتنوعة.

ومن هنا نحن لدينا ورقة مخصصة نقدمها للزبون كي يجيب على كل الأسئلة فيها ويوقعها وبكل صراحة، ومنها إذا كان يعاني من أي حالة طبية أو صحية تمنع إجراء الوشم له، وذلك لتجنب أي خطر ممكن أن يحدث لهم في المستقبل، كي يكون عملنا آمنا وضمن الأطر المهنية الصحيحة”.

وفي الختام وفي ظل تنامي الإقبال على “التاتو” في لبنان، تبقى الحاجة ملحّة لتنظيم هذه المهنة من خلال معايير صحية واضحة ورقابة فعّالة، فالمخاطر المرتبطة باستخدام أدوات أو مواد غير آمنة قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة تهدد صحة الأفراد. فالتوعية ضرورة لحماية كل من الفنان والمستفيد وكذلك التدريب المهني. ولذا، لا بد من مقاربة تجمع بين الفن والسلامة والمسؤولية.

نداء الوطن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى