الجيش و«نزع السلاح»: المواجهة مرفوضة… والحوار لا يزال ممكناً

حسين صبرا
وضع قرار الحكومة الأخير بشأن حصر السلاح بيد الدولة، المؤسسة العسكرية في موقع بالغ الحساسية، بعدما رمت السلطة السياسية كرة المواجهة في ملعب قيادة الجيش، في لحظة مفصلية تعيش فيه البلاد توترات متصاعدة إزاء العدوان الإسرائيلي المتواصل والاحتلال المستمر، والضغوطات الخارجية حول ملف سلاح حزب الله. خطوة الحكومة، التي جاءت في جلسة مطلع شهر آب، بدت من جهة، وكأنها محاولة لنقل مسؤولية التنفيذ إلى الجيش، بما قد يضعه في مواجهة مباشرة مع المقاومة وجمهورها، وهو ما ترفضه القيادة العسكرية رفضاً تاماً، ومن جهة أخرى لخّصت الضغوطات الداخلية والخارجية بالإضافة إلى الإغراءات لقيام الجيش بواجبه.
بين الضغوط والإغراءات
في خلفية المشهد، لا يغيب الخارج عن عوامل الضغط على المؤسسة العسكرية. واشنطن ودول أوروبية عدة تواصل تقديم دعم مالي ولوجستي للمؤسسة العسكرية، وتطرح في الكواليس إغراءات بزيادة هذا الدعم مقابل انخراط الجيش في فرض ما يتوجب عليه من «إملاءات». فتجد القيادة نفسها بين ضغوط داخلية تسعى إلى تحميله مسؤولية مواجهة سلاح «مقاومة الاحتلال»، وإغراءات خارجية تريد تحويل المؤسسة العسكرية إلى أداة في مشروع سياسي لا ينسجم مع التوازنات الوطنية.
من ناحية الإغراءات، تقدم الولايات المتحدة والدول الأوروبية حزمة مساعدات مالية وعسكرية للجيش اللبناني باستمرار، فمطلع العام الحالي قدم المجلس الأوروبي أكثر من 80 مليون يورو لدعم الجيش وتعزيز قدراته للانتشار في الجنوب، تماشياً مع قرار مجلس الأمن 1701.
كما تُعتبر قطر من أبرز الداعمين للجيش اللبناني منذ أن دخلت البلاد في أزمة اقتصادية عام 2019. ففي البداية كانت ترسل مساعدات غذائية للمؤسسة العسكرية، ثم بدأت منذ عام 2022 تقديم منح مالية نقدية، وحديثاً عبر تقديم عشرات الآليات العسكرية، والمنح المالية التي بلغ آخرها قيمة 60 مليون دولار لمساعدة المؤسسة في دفع رواتب الضباط.
بذلك تزداد خشية البعض من أن يصبح القرار السياسي للجيش بيد الخارج، فتلك المساعدات ليست لدعم المؤسسة العسكرية فحسب، بل لتنفيذ ما يهم المصالح الخارجية وتفضيلها على المصالح الوطنية.
الجيش يرفض المواجهة الداخلية
بحسب مصادر عسكرية تحدثت لـ«الأخبار»، فإن الجيش لا ينوي القيام بأي خطوة من شأنها أن تفتح باب الصدام مع حزب الله أو مع البيئة الشعبية التي تحتضنه، خصوصاً أن وحداته منتشرة أساساً في مناطق الجنوب بين بيئة المقاومة وشعبها، ومعظم الجنود والضباط المنتشرين في جنوب لبنان هم من أبناء تلك الأرض.
إنتشار الجيش اللبناني في ميس الجبل بعد انسحاب جيش العدو (هيثم الموسوي)
وأكدت هذه المصادر أن القيادة العسكرية حريصة على منع أي انقسام داخل المؤسسة، وترى أن أي اندفاع في هذا الاتجاه لن يؤدي إلا إلى اهتزاز بنيتها الداخلية التي نجحت في السنوات الماضية في الحفاظ على تماسكها رغم الأزمات السياسية.
إقرأ أيضاً: قائد الجيش: أستقيل ولا أَسفك الدماء
فيما تتخوف مصادر سياسية مطّلعة على عمل الجيش، من انقسام داخل صفوفه وتؤكد هذا الاتجاه، ما يحتّم على السلطة السياسية التدخل قبل الوصول إلى ما قد لا يحمد عقباه. وتشير المصادر نفسها (بإيجابية) إلى التعددية الطائفية والمجتمعية في الجيش، وتتسائل: «كيف لعنصر في المؤسسة العسكرية أن يشهر سلاحه أمام أحد أفراد عائلته أو أصدقائه؟ وكيف لابن عرسال أن يُواجه من حرر أرضه؟». المواجهة بين الجيش والشعب، التي يعتبر البعض أنها قائمة هي «غير واردة لا من قريب ولا من بعيد»، بحسب المصادر.
في المقابل، تعرب أوساط سياسية عدة عن خشيتها من أن يؤدي الضغط السياسي على الجيش إلى اصطدام مباشر بين المؤسسة العسكرية والمقاومة أو جمهورها. هذه الأوساط أشارت إلى أن مطلب حصر السلاح قد يلقى تأييداً واسعاً في الخطاب، ولكنّ تطبيقه على الأرض دونه شروط أساسية:
انسحاب قوات العدو الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة
وقف الاعتداءات المستمرة
استرجاع الأسرى
وإلا، فإن معظم القوى، حتى التي تطالب بحصرية السلاح، ستجد نفسها أقرب إلى موقف المقاومة في حال نُفّذ ما أقرته تل أبيب وهو ما يصفه الكثيرون بأنه «استسلام وتنازل كبير للبنان ولمؤسسته العسكرية».
موقف الثنائي الشيعي
مصادر مقرّبة من الثنائي الشيعي، شددت في حديثها لـ«الأخبار» على أن أي سيناريو يضع الجيش في مواجهة مباشرة مع المقاومة مرفوض بالكامل. وأكدت أن هذه المواجهة لن تحصل تحت أي ظرف، لأن المؤسسة العسكرية بالنسبة إلى «الثنائي» تمثل عنصر توازن وطني لا يجوز الزج به في معركة داخلية. وأوضحت أن أي محاولة لـ استدراج الجيش إلى صدام مع المقاومة ستعني عملياً ضرب آخر ما تبقى من مؤسسات الدولة الجامعة.
من جهة ثانية، شددت المصادر على أن «استئصال» المقاومة «كما يريد البعض هو أمر غير مقبول بالنسبة إلينا ولن نسمح لأحد بأن يلغي دورنا»، وأكدت أن حزب الله وحركة أمل يرفضان المواجهة مع الشعب أو مع السلطة السياسية أو مع المؤسسة العسكرية.
ولا يزال حزب الله يطرح خيار الحوار كمسار أساسي لمعالجة «ما يمكن معالجته» في ملف السلاح. مصادر متابعة رأت أن التصعيد الذي شهده خطاب بعض القوى السياسية يحتاج إلى تهدئة قبل الوصول إلى جلسة أيلول المقبلة، التي يُفترض أن تضع الخطوط العامة لمرحلة ما بعد القرار. وأكدت أن الحزب منفتح على النقاش الداخلي «قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة»، محذرة من أن أي رهان على الجيش لفرض معادلات خارجية هو رهان خاسر.
وفي ذات السياق، أشار قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، في اجتماع استثنائي في اليرزة، إلى أن «الجيش يتحمل مسؤوليات كبرى على مختلف المستويات، وهو مقبل على مرحلة دقيقة يتولى فيها مهمات حسّاسة»، مؤكداً أنه «سيقوم بالخطوات اللازمة لنجاح مهمته آخذاً في الحسبان الحفاظ على السلم اﻷهلي واﻻستقرار الداخلي».
وخلال الاجتماع، أوضح هيكل أن «الجيش مقبل على مرحلة دقيقة»، مضيفاً: «لقد بذلنا تضحيات جسيمة وقدمنا الشهداء في سبيل واجبنا الوطني، ولن يثنينا شيء عن المضي في تحمُّل مسؤوليتنا في مختلف المناطق وعلى امتداد الحدود».
الاخبار