اخر الاخبار

في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر ٠٠بقلم المهندس صدر داود : حضور لا يغيّبه الغياب



كتب عضو قيادة اقليم جبل عامل صدر داوود

سبعة وأربعون عاماً مرّت على تغييب الإمام السيد موسى الصدر، وما زالت صورته تشعّ في الذاكرة، وصوته يرنّ في الضمائر، وفكره يسكن تفاصيل حياتنا اليومية. لم يكن الإمام الصدر رجلاً عادياً في زمان عادي، بل كان استثناءً في الفكر والموقف، في الحضور والرسالة، في الحلم الذي أراده مشروعاً للوطن وللأمة.
منذ أن وطأت قدماه أرض لبنان، جاء الإمام الصدر حاملاً معه همّ الناس، لا يسأل عن طائفتهم ولا مذهبهم، بل عن جوعهم وكرامتهم وحاجتهم إلى العدالة. رأى في الفقر جريمة لا تُغتفر، وفي الحرمان وصمة عار على جبين الدولة والمجتمع. ولذا لم يرضَ أن يكون الدين طقساً معزولاً، بل أراده نهجاً عملياً يترجم في مدرسة تُبنى، ومستشفى يُفتتح، ومؤسسة تداوي آلام الناس وتفتح أمامهم أبواب الأمل.كان الامام صوت الوحدة
في لبنان المتشظّي بطوائفه، جاء الإمام الصدر ليقول إن الوطن لا يقوم على الحواجز، بل على الجسور. خطابه لم يكن خطاب طائفة إلى طائفة، بل خطاب إنسان إلى إنسان. جمع المسلمين والمسيحيين تحت راية الحوار، وجعل من العيش المشترك قدراً لا خياراً. لم يكن يرى في الاختلاف لعنة، بل فرصة لبناء وطن متكامل، يحفظ التنوع ويستمد منه قوته.
لم تكن فلسطين بالنسبة للإمام الصدر قضية بعيدة أو ملفاً سياسياً عابراً، بل كانت جوهر الصراع وبوصلة الحق. أعلن بوضوح: إسرائيل شرّ مطلق والتعامل معها حرام، لتتحول عبارته إلى ميثاق أمة بأسرها. كان يرى أن نصرة فلسطين واجب ديني وإنساني، وأن الدفاع عن شعبها دفاع عن الكرامة والحرية والعدالة.
لقد أدرك الإمام أن مقاومة الاحتلال في لبنان هي جزء لا يتجزأ من المعركة الكبرى من أجل فلسطين، فزرع البذرة الأولى للمقاومة، لتصير امتداداً لثورة الشعب الفلسطيني، ولتلتقي دماء الشهداء على طريق تحرير فلسطين .
حين كان الاحتلال الإسرائيلي يتمادى في جنوب لبنان، وحين كان الناس يبحثون عمّن يحميهم، ارتفع صوت الإمام ليعلن أن الصمت خيانة، وأن المقاومة قدر لا مهرب منه. لم تكن كلماته صرخة غضب فحسب، بل كانت تأسيساً لمسار تحوّل إلى عقيدة راسخة في وجدان الأجيال. لقد غُيّب الإمام، لكن المقاومة التي بشّر بها بقيت، لتكتب بدماء أبنائها ملحمة عزٍّ وانتصار. وان الذين
أرادوا أن يسكتوا الصوت، فغيّبوا صاحبه. لكنهم لم يدركوا أن الأفكار لا تُسجن، وأن الروح التي تعيش في قلوب الملايين لا تُغيَّب. الإمام حاضر في كل محروم يرفع رأسه بكرامة، في كل مقاوم يواجه العدو، في كل أمّ تُعلّم أبناءها أن العزّة أغلى من الحياة. غاب الجسد، لكن بقي الفكر نهراً لا ينضب، وبقيت القيم مشعلاً يهتدي به السائرون.
في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر بعد سبعة وأربعين عاماً، نحن لا نُحيي طيفاً من الماضي، بل نُجدّد التزامنا بمشروع ما زال حياً: مشروع العدالة، والوحدة، وفلسطين، والمقاومة، وخدمة الإنسان. إن استحضار الإمام اليوم هو استحضار للمعايير التي نفتقدها في زمن الأزمات، وهو دعوة لكي نرتقي إلى مستوى الوطن الذي حلم به الإمام: وطناً سيداً، حراً، كريماً، متصالحاً مع ذاته، متجذراً في أرضه، ومنفتحاً على إنسانيته.
سلامٌ عليك أيها الإمام الغائب الحاضر، يا مَن تركت في قلوبنا شعلة لا تنطفئ، وفي عقولنا فكراً لا يشيخ، وفي دروبنا نهجاً لا يضيع.
سلامٌ عليك يوم حضرت إلى لبنان حاملاً الأمل، ويوم غُيّبت عن أعيننا، ويوم ننتظرك عائداً، كما وعد الله الصادقين بالنصر والعودة.
سنبقى على العهد، متمسكين بالخط الذي رسمه، والراية التي رفعها، والوطن الذي أحبّه، وفلسطين التي حملها في قلبه
٢٩  أب  ٢٠٢٥

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى