اخر الاخبارمقالات وقضاياهام

خيبة بري تختصر نتائج زيارة الوفد الأميركي إلى بيروت

زياد سامي عيتاني

شهدت بيروت يومي 26 و27 آب زيارة أميركية رفيعة المستوى، قادها المبعوث الخاص توم برّاك وضمّت شخصيات بارزة من الكونغرس والمستشارة السابقة مورغان أورتاغوس. جاءت الزيارة في توقيت دقيق، بينما كانت الحكومة اللبنانية منشغلة بوضع خطة رسمية لنزع السلاح غير الشرعي، وسط تصاعد التوترات على الحدود الجنوبية مع إسرائيل.
لكن الحدث الأبرز لم يكن في صخب الوفد أو العروض الاقتصادية، بل في موقف رئيس البرلمان نبيه بري، الذي عبّر عن خيبة أمل واضحة ورفض علني للنهج الأميركي. فقد اعتبر بري أن لبنان يُدفع لتقديم تنازلات من دون أي ضمانات مقابلية من إسرائيل أو المجتمع الدولي، مؤكداً أن أي مقايضة أحادية الجانب غير مقبولة.

بعد لقائه الوفد، صرح بري قائلاً: «أتونا بعكس ما وعدونا به». وكان أبرز ما أشار إليه هو تراجع إمكانية طرح الانسحاب الإسرائيلي مقابل خطوات لبنانية، ما جعله يرفض أي مبادلة غير متوازنة.

موقف بري لم يكن مجرد اعتراض شكلي، بل يعكس استراتيجية سياسية طويلة الأمد تهدف للحفاظ على التوازن الداخلي والسيادة اللبنانية، وضمان ألا تُضعف أي خطوة خارجية موقعه السياسي أو مصالح حلفائه.
• تحليل موقف بري: ثلاثة أبعاد استراتيجية
1. البُعد الداخلي: يسعى بري للحفاظ على وحدة القوى السياسية اللبنانية، خصوصاً في مواجهة أي ضغط خارجي قد يثير توترات بين الأحزاب والطوائف، ما يحمي الاستقرار الداخلي ويمنع أي تفجّر محتمل في الجنوب والبقاع.
2. البُعد التفاوضي والاستراتيجي: يحرص على ضمان قدرة لبنان التفاوضية، بحيث لا يقدم تنازلات كبيرة من دون مقابل، محافظاً على مصالحه وحلفائه، بما يضمن عدم تعرّض لبنان لأي ابتزاز سياسي أو أمني خارجي.

3. البُعد الرمزي والسيادي: موقفه يرسل رسالة واضحة بأن لبنان لن يصبح ساحة لتجارب سياسية خارجية، وأن أي ترتيبات أمنية يجب أن تراعي التوازن الداخلي أولاً، بما يعكس سيادة الدولة ومصداقية مؤسساتها.
• العروض الأميركية والردّ اللبناني
تضمنت الزيارة طرح فكرة إنشاء منطقة اقتصادية خاصة في الجنوب بتمويل خليجي، تهدف إلى توفير آلاف فرص العمل ودمج مقاتلي حزب الله المفترض أن يسلّموا أسلحتهم. وقد اعتبر بري هذا العرض «جزرة اقتصادية» لا تغطي فجوة الضمانات السياسية، مؤكداً أن أي مشروعا تنمويا يجب أن يُقدَّم ضمن مبادلة عادلة تحافظ على السيادة اللبنانية، وليس كأداة ضغط لتحقيق أهداف خارجية.
الموقف اللبناني جاء واضحاً، إذ أن أي خطوات اقتصادية أو تنموية يجب أن تُرافق بضمانات سياسية حقيقية، وأن لا تُستغل كغطاء لإضعاف التوازن الداخلي أو تهميش القوى التقليدية في الجنوب.
• انعكاس الموقف على الأرض
تجلّت خيبة أمل بري على الأرض في الجنوب، حيث انعكست التوترات في تظاهرات شعبية في بلدات مثل الخيام وتيّـر، رافعين أعلام حزب الله وحركة أمل، وهاتفين ضد الوجود الأميركي. وقد أدّت هذه الاحتجاجات إلى إلغاء الوفد الأميركي لبعض الجولات الميدانية، ما يعكس صعوبة أي محاولة لتقليص نفوذ حزب الله على الأرض. هذا الموقف الشعبي والسياسي يوضح أن أي خطوة تجاه نزع السلاح لا يمكن فصلها عن المزاج الشعبي، وأن الاستقرار السياسي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بموقف القوى التقليدية وحلفائها.
• أهداف بري: ثلاثة محاور استراتيجية رئيسية
1. ضمان التوازن الداخلي: منع أي تصعيد أو انقسامات حادّة بين القوى السياسية، خصوصاً بين الشركاء التقليديين في الجنوب والبقاع.
2. الحفاظ على أوراق التفاوض: عدم جعل لبنان تابعاً للقرارات الأميركية، مع الحفاظ على القدرة على التفاوض حول كل ملف، بما في ذلك العلاقة مع إسرائيل والدعم الدولي.
3. تعزيز موقعه السياسي: التمسّك بالموقف الرافض يعزز مكانته كزعيم قادر على فرض شروطه داخلياً والدفاع عن مصالح حلفائه، ويحافظ على نفوذ حركة أمل وحزب الله في الجنوب.
• خيبة بري كمفتاح لفهم نتائج الزيارة
أظهرت زيارة الوفد الأميركي أن موقف نبيه بري صار المعيار لفهم نتائج الزيارة. بين الشروط الأميركية والعروض الاقتصادية والضغط الداخلي، تبدو المعادلة واضحة: لبنان مطالب بتقديم التنازلات أولاً، فيما الخطوة المقابلة من إسرائيل أو المجتمع الدولي غير مؤكدة.
مع عرض خطة الجيش اللبناني في الأسابيع المقبلة، ستتضح قدرة لبنان على التوفيق بين الضغوط الخارجية وحسابات الداخل، وبين مطلب السيادة ومقتضيات الاستقرار. خيبة بري لم تكن مجرد تصريح سياسي عابر، بل انعكاساً لحقيقة الصعوبة الكبيرة في تطبيق أي شروط أميركية من دون تفاهم داخلي كامل، وباتت بمثابة مؤشّر على موقف لبنان الرسمي من أي مقايضات محتملة، مؤكداً أن السيادة الوطنية تبقى النقطة الثابتة في أي نقاش سياسي أو أمني.

اللواء

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى