الأمن الاقتصادي شرط لتحقيق الأمن الوطني اللبناني

جمال إبراهيم حيدر
لن يكون هناك أمن وطني ما لم يُبنَ على ثوابت أمن اقتصادي. إن أكبر عقبة أمام الأمن الاقتصادي في لبنان ليست تقنية، بل سياسية. النُخب النافذة تستفيد من الخلل الحالي وستُقاوم الإصلاحات التي تهدّد المصالح الراسخة. لذا، يجب البحث عن خريطة طريق الاقتصاد السياسي للإصلاح، وبناء تحالفات بين الجهات الفاعلة ذات التوجّه الإصلاحي، والتعبئة المدنية والضغط من الأسفل وتمكين المؤسسات المستقلة والهيئات الرقابية وربط الإصلاح بالتحسينات الملموسة في الحياة اليومية.
في عالمنا المترابط اليوم، يكمن أساس الدولة الآمنة بشكل متزايد في أمنها الاقتصادي. وينطبق هذا بشكل خاص على الدول الهشّة مثل لبنان، حيث أدّى عدم الاستقرار الاقتصادي المزمن إلى تقويض الثقة المؤسّساتية والاستقرار الاجتماعي بشكل كبير. غياب الأمن الاقتصادي قد يؤدّي إلى تآكل مؤسّسات الدولة وتمكين الجهات الفاعلة غير الحكومية، فضلاً عن اضطرابات اجتماعية ومدنية، وهجرة الأدمغة، وهروب رأس المال البشري، وزيادة التدخل الأجنبي. وفي لبنان حيث يعاني الحكم أصلاً من التشرذم الطائفي، ليس تحقيق الأمن الاقتصادي والحفاظ عليه مجرد مسألة سياسة اقتصادية، بل هي مسألة حرية وسيادة واستقلال وأساس للصمود.
انعكس الانهيار الاقتصادي الحالي في لبنان مباشرة على الأمن الوطني، وذلك في مستويات عدّة منها تفكّك المؤسّسات الأمنية والعسكرية وزيادة التوترات الاجتماعية والتبعية للخارج. فلم تعد الدولة قادرة على دفع رواتب عادلة للقوى الأمنية والجيش، ما أدّى إلى تفاقم ظواهر مثل التسرّب الوظيفي والفساد، وبالتالي تراجعت فعالية الأجهزة في حفظ الأمن والاستقرار.
وأدّت الأوضاع الاقتصادية إلى توتّرات اجتماعية واحتجاجات شعبية واسعة تحوّلت أحياناً إلى أعمال عنف وشغب، ما زاد من هشاشة الدولة وخَلَق بيئة خصبة للفوضى والانقسام. وبسبب العجز الاقتصادي، أصبح لبنان أكثر عرضة للتدخلات الخارجية السياسية والمالية، ما أضعف قراره السيادي وقدرته على حماية مصالح أمنه الوطني.
لو كان الاقتصاد اللبناني قوياً ومتيناً، لامتلكت الدولة القدرة على حماية أمنها الداخلي وحدودها الخارجية وتأمين العدالة الاجتماعية واحتواء الأزمات. وهذا يتعلق بتوفير الموارد الضرورية لتمويل فعالية الجيش والقوى الأمنية وأداة فعّالة لمكافحة التطرّف والفقر. كما إن الدولة ذات الاقتصاد المستقرّ تملك نفوذاً سياسياً أكبر، وتكون أقل عرضة للضغوط الخارجية أو الابتزاز السياسي والمالي.
تُعلّمنا التجربة اللبنانية بوضوح أن فصل الأمن الاقتصادي عن الأمن الوطني هو خطأ إستراتيجي. فالجوع والبطالة والفساد والتضخم ليست فقط أزمات اقتصادية، بل هي تهديدات وجودية لكيان الدولة نفسه. ويتأكّد في ضوء هذه التجربة أن بناء دولة قوية يبدأ من اقتصاد عادل ومستدام. فإذا لم يُعالج الانهيار الاقتصادي، تبقى كل محاولات الإصلاح الأمني والسياسي بلا جدوى، لأن الأرضية التي تقوم عليها الدولة ستكون هشّة ومهدّدة بالانهيار في أي لحظة.
يوجد ثوابت أساسية في الأمن الاقتصادي يجب أن تكون ضمن إستراتيجية الأمن الوطني في لبنان. إن غياب هذه الثوابت يعرّض الدولة لانكشاف اقتصادي، فتفقد مناعتها أمام الضغوط والتحديات. أما تحقيقها فيجعل الاقتصاد حصناً منيعاً، ورافعة حقيقية للأمن الوطني.
– الثابتة الأولى، تطوير الرأس المال البشري.
إن المهارات والمعارف والصحة والقدرات الجماعية للسكان التي تُسهم في الإنتاجية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي. في لبنان، حيث تعاني شريحة كبيرة من الشباب من البطالة أو نقص العمل، وحيث أدت هجرة الأدمغة إلى تفريغ قطاعات مهنية بأكملها، فإن تآكل الرأس المال البشري له عواقب مباشرة على الأمن الوطني. إذ إن السكان ذوو التعليم المتدني والمهارات المتدنية والمهمّشين اقتصادياً هم أكثر عرضة للتطرّف والشبكات الإجرامية والاستغلال السياسي والتلاعب الطائفي.
في المقابل، يرجح أن يُسهم السكان الأصحّاء والمتعلّمون والمنخرطون اقتصادياً في التماسك الاجتماعي والحوكمة الديموقراطية والاستقرار الطويل الأمد. ففي بلدٍ مُمزق كلبنان، يُغري القادة الاعتقاد بأن الأمن الوطني يعتمد حصراً على الردع العسكري أو التحالفات الخارجية أو المفاوضات السياسية. وإنما من دون شعبٍ سليمٍ ومتعلمٍ ومتمكنٍ اقتصادياً، لن تضمن أيٌّ من هذه الأدوات استقراراً طويل الأمد.
– الثابتة الثانية، حماية القطاعات الإنتاجية في لبنان. إذ توجد حاجة ملحة إلى إعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية حقيقية. ولأن الاقتصاد الريعي والاعتماد المفرط على الاستيراد والمضاربات المالية لم تعد لديها القدرة على تأمين استقرار طويل الأمد، باتت حماية القطاعات الإنتاجية – الزراعة والصناعة والمعرفة – الخيار الوحيد المتاح للنهوض.
– الثابتة الثالثة، تأمين الاستقرار المالي والمصرفي والنقدي. فالاختلالات المالية والمصرفية والنقدية، خلقت نقاط ضعف تقوّض شرعية الدولة وقدرتها على تأمين حدودها وتقديم الخدمات العامة ومنع الانهيار الاجتماعي. لم يُفقِر الانهيار المالي والمصرفي والنقدي الأخير شرائح كبيرة من السكان عبر استنزاف مدخراتهم وتدهور قدراتهم الشرائية فقط، بل نزع الشرعية عن مؤسسات الدولة أيضاً. ومن غير المرجح أن تحافظ أي حكومة لا تستطيع تأمين استقرار قيمة عملة دولتها أو تنظيم نظامها المصرفي وانتظامها المالي على ثقة مواطنيها أو ضمان مصالحها الوطنية.
– الثابتة الرابعة، تعزيز الحوكمة الرشيدة وسيادة القانون ومكافحة الفساد بقوّة. فمن الواضح أنه تتزايد التهديدات للأمن الوطني داخلياً عبر الشلل السياسي والانقسامات الطائفية والانهيار الاقتصادي وضعف مؤسسات الدولة. هذه التحديات ليست ناجمة عن أعداء خارجيين، بل عن إخفاقات متأصّلة في الحكم. لقد عانت الدولة اللبنانية لعقود من الفساد المنهجي والمحسوبيات والإفلات من العقاب. وقد أدّت هذه الظروف إلى تفريغ المؤسسات العامة من محتواها، وقوّضت العقد الاجتماعي وفتحت الباب أمام جهات فاعلة غير حكومية لملء الفراغ.
– الثابتة الخامسة، تنويع مصادر الدخل القومي وتحقيق الاستقلال الاقتصادي وتقليل التبعية الخارجية. فقد أظهرت الأزمات المتلاحقة أن استمرار النموذج الاقتصادي القائم على الاعتماد على مصادر دخل محدودة، أبرزها التحويلات المالية من المغتربين والسياحة والقطاع المصرفي لم يعد ممكناً، وأنّ تنويع مصادر الدخل القومي بات ضرورة إستراتيجية، لا مجرد خيار اقتصادي.
في هذا السياق، يُصبح توسيع القاعدة الإنتاجية والخدماتية وتنمية قطاعات جديدة السبيل الوحيد لتحقيق النمو المستدام وتقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز الاستقرار المالي والاجتماعي.
وهذا التنويع هو شرط لبقاء الدولة وتعافيها. فمن دون هذا التنويع، سيبقى لبنان أسير الأزمات، وبتحقيقه، ستُبنى قواعد صلبة لدولة قوية ومستقلة وعادلة. وتنويع الشركاء الاقتصاديين لأن تقليل التبعية لا يعني الانغلاق، بل يتطلب تنويع العلاقات التجارية والمالية بعيداً من الارتهان لمحاور سياسية محدّدة وفتح أسواق جديدة مع دول الجوار وأفريقيا وآسيا بما يتيح تحقيق توازن في العلاقات الخارجية.
* أستاذ في الاقتصاد في الجامعة اللبنانية الأميركية
الاخبار